ابن الأثير
325
الكامل في التاريخ
وعساكره قد ساروا إلى الصعيد ، فبلغ مكانا يعرف بالبابين ، وسارت العساكر المصريّة والفرنج وراءه ، فأدركوه بها الخامس والعشرين من جمادى الآخرة ، وكان أرسل إلى المصريّين والفرنج جوّاسين ، فعادوا إليه وأخبروه بكثرة عددهم وعددهم ، وجدّهم في طلبه ، فعزم على قتالهم ، إلّا أنّه خاف من أصحابه أن تضعف نفوسهم عن الثّبات في هذا المقام الخطر الّذي عطبهم فيه أقرب من سلامتهم ، لقلّة عددهم وبعدهم عن أوطانهم وبلادهم ، وخطر الطريق ، فاستشارهم ، فكلّهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب الشرقيّ والعود إلى الشام ، وقالوا له : إن نحن انهزمنا ، وهو الّذي يغلب على الظنّ ، فإلى أين نلتجئ ، وبمن نحتمي ، وكلّ من في هذه الديار من جنديّ وعاميّ وفلّاح عدوّ لنا ؟ فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين بزغش ، صاحب شقيف ، وكان شجاعا ، وقال : من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك بل يكون في بيته مع امرأته ، واللَّه لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه ليأخذنّ ما لنا من أقطاع وجامكيّة ، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه إلى يومنا هذا ويقول : تأخذون أموال المسلمين وتفرّون عن عدوّهم ، وتسلّمون مثل مصر إلى الكفّار ! والحقّ بيده . فقال أسد الدين : هذا الرأي ، وبه أعمل ، وقال ابن أخيه صلاح الدين مثله ، وكثر الموافقون لهم ، واجتمعت الكلمة على القتال ، فأقام بمكانه حتى أدركه المصريون والفرنج وهو على تعبئة ، وجعل الأثقال في القلب يتكثّر بها ، ولأنّه لم يمكنه أن يتركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد ، وجعل صلاح الدين في القلب ، وقال له ولمن معه : إنّ المصريّين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب ظنّا منهم أنّي فيه ، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال ، ولا تهلكوا نفوسكم ، واندفعوا بين أيديهم فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم .